التفكير الناقد

التفكير الناقد أو ما يشار إليه باللغة الإنجليزية “critical thinking” هو نوع من التفكير نقوم باستخدامه عندما نحاول التحقق أو فحص رأي معين للتأكد من مدى صحته. ونتوصل من خلال استخدام هذا النوع من التفكير إلى إصدار الأحكام أو الموازنة بين موضوعين أو اكثر للمفاضلة بينهما. ومن خلال شرحنا التالي سوف نتناول بالتفصيل هذا النوع من التفكير.

تعريف التفكير الناقد

معنى الفعل “نقد” باللغة العربية هو ميز الدراهم وأخرج الزيف منها ، كما ورد تعبير ” نقد الكائن ونقد البيئة” في المعجم الوسيط بمعنى أظهر ما فيها من عيب أو حسن.

ونال التفكير الناقد اهتمام الكثير من العلوم والعلماء ، ولذلك يوجد مجموعة تعريفات قدمت للتفكير الناقد ، وسوف نذكر أهم هذه التعريفات في ما يلي :

  • عرفه الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي جون ديوي بأنه اعتبار فاعل ، ومتشبث ، وحذر لاعتقاد أو لافتراض نوع من أنواع المعرفة في ضوء قاعدة تدعمه واستنتاج ينتج عنه.
  • عرفه إدوارد كليسر بأنه الميل إلى التفكير العميق في المشاكل والمواضيع التي ترد ضمن مجال خبرة الفرد ، وأنه الإطاحة بنهج منطق الأسئلة وتعليلها وبعض المهارات في تطبيق هذا النهج.
  • وعرفه العالم روبرت إنس بأنه تفكير منطقي ، تأملي ، يركز على اتخاذ قرار عما يجب اعتقاده أو عمله.
  • وعرفه العالم ريتشارد بول بأنه التفكير في أي موضوع ، أو فحوى ، أو مشكلة حيث يحسن المفكر نوع تفكيره بعنايته الماهرة ببنية التفكير الموروث وتطبيق معايير عقلية عليه.

ونتيجة لهذا التعدد في التعريفات قامت الجمعية الأمريكية للفلسفة بالتعاون مع جامعة كاليفورنيا بوضع تعريف دقيق للتفكير الناقد بأنه : حكم ذاتي التنظيم يتجسد في تفسير النتائج وتحليلها وتقييمها والاستنتاج منها ، وتفسير الأدلة وشرح الاعتبارات المتعلقة بالبراهين والمنهجية مرجعية المعيار أو الحكم الذي تستند إليه.

أهمية التفكير الناقد

لتعلم التفكير الناقد أهمية كبيرة جداً ، وهذه الأهمية يمكن تناولها من ناحيتين ، الأولى وهي أهمية التفكير الناقد للفرد العادي ، والثانية هي أهمية التفكير الناقد للمتعلم أو الطالب. وتتمثل أهمية التفكير الناقد بالنقاط التالية :

الأهمية بالنسبة للفرد

  • إن تعلم التفكير الناقد يجعل الفرد أكثر صدقاً مع نفسه ، بحيث لا يخاف من الاعتراف بأخطائه ، ويمكنه من التعلم منها.
  • مساعدة الفرد في تحليل المعلومات والأفكار ومن ثم تقييمها وفحصها ، وهذا بدوره يجنب الفرد التصديق الساذج لكل ما يسمعه أو يقرأه.
  • يعلم الفرد البحث عن أدلة وبراهين لكل ما يتم طرحه أو تناوله من أفكار وآراء.
  • يجعل الفرد أكثر استقلالاً في تفكيره ، ويجنبه التبعية للآخرين.
  • يساعد الفرد في اتخاذ قرارات صائبة.
  • يزيد من قدرة الفرد على فهم الآخرين والاستماع لهم والانفتاح على آراءهم.

أهميته بالنسبة للمتعلم

  • يؤدي التفكير الناقد إلى فهم أعمق للمحتوى الذي يتعلمه المتعلم.
  • تنمية روح التساؤل والبحث عند المتعلم.
  • يرفع المستوى التحصيلي للمتعلم.
  • يزيد من معنى الخبرات المدرسية التي يتعلمها الطالب ، كما يزيد من سعي المتعلم لتطبيق هذه الخبرات وممارستها.
  • يجعل المتعلم أكثر إيجابية وتفاعل ومشاركة مع عملية التعلم.
  • يعزز ثقة المتعلم بذاته.
  • يفتح الآفاق أمام المتعلم للنمو والتطور والأبداع.

معايير التفكير الناقد

المقصود بمعايير التفكير الناقد الخصائص العامة التي يتم تقييم الأفكار والآراء في ضوئها ، بحيث إذا اختل تطابق التفكير مع هذه المعايير فإن التفكير لا يعد ناقداً. وتشمل هذه المعايير التالي :

  1. الوضوح : وهو أن تكون الفكرة الناقدة واضحة جداً بحيث تفهم من قبل الآخرين دون لبس أو شك.
  2. الدقة : وهي أن تتمتع الفكرة الناقدة بدرجة عالية من الدقة والتحديد ، وتكون عارضة للتفاصيل الكافة دون زيادة أو نقصان.
  3. العمق : المقصود به معالجة الفكرة الناقدة موضوع التفكير في ضوء التبصر بحقيقته وإدراكه بعمق بعيداً عن السطحية.
  4. الصحة : وهي أن تكون الفكرة على درجة عالية من الصحة والموثوقية ، وذلك من خلال تدعيمها بالأدلة والبراهين.
  5. الصلة والعلاقة بالموضوع : وهي ارتباط الفكرة الناقدة بجميع عناصر موضوع التفكير ومعطياته.
  6. الاتساع : والمقصود به أن تكون الفكرة الناقدة شاملة لجميع جوانب المشكلة التي تتناولها.
  7. الأهمية : وهي أن تعالج الفكرة الناقدة موضوعاً ذا أهمية.
  8. المنطق : وهو أن تكون الفكرة الناقدة منطقية من حيث تسلسلها وترابطها بما يؤدي إلى معان واضحة ومحددة.
  9. العدالة : والمقصود بالعدالة هو معالجة الفكرة موضوع التفكير بعدالة بعيداً عن التحيز والذاتية.

معوقات التفكير الناقد

يوجد العديد من المعوقات التي يمكن أن تقف في وجه التفكير الناقد وتؤثر في جودته ونتائجه. وأهم هذه المعوقات التالي :

  • الجهل : وهو افتقار المفكر إلى المعرفة الكافية حول الموضوع الذي يعالجه بمهارات التفكير الناقد.
  • الانفعالات : تؤثر الانفعالات بشكل كبير على تفكيرنا ، ولذلك يجب على المفكر في حال كان يشعر بالانفعال أن يأجل تفكيره أو أن يضبط انفعاله ويقلل من حدته من أجل الحد من تأثيره على تفكيره.
  • التحيز : إن الفرد يتحيز وينتقي ما يؤيد معتقداته ووجهة نظره أو توجه الجماعة التي ينتمي إليها ونتيجة لذلك فإنه يهمل أو يغفل ما يتناقض مع ذلك ، لذا يجب الانتباه إلى موضوع التحيز من أجل القيام بالتفكير الناقد بشكل جيد.
  • الأنانية : يجب على المفكر الناقد التخلي عن الأنانية والتحلي بالمرونة وعدم التعصب لأي رأي.
  • الغموض في اللغة المستخدمة : يوجد العديد من الكلمات التي يمكن أن تأخذ أكثر من معنى لذا يجب الانتباه إلى المعنى الدقيق للكلمة والمقصود بها.
  • تقييد الإدراك : قد لا ينتبه الفرد إلى القيود التي تحدد مدركاته الخاصة مما قد يؤدي إلى تصورات خاطئة حول حقيقة واقعة. لذا يجب على المفكر أن يميز الأسباب الحقيقية للأحداث ، ويبتعد عن اقترانات المصادفة مثل أن نربط سبب فوز المصارع مثلاً بلون لباسه.
  • الاستشهاد بالقصص والحكايات : يجب معرفة أن القصص التي تروى قد تكون غير دقيقة أو منحازة ولذلك يجب عدم الاستشهاد بها.
  • الاستشهاد بالأمثال الشعبية : حيث يجب على الفرد معرفة أن الأمثال الشعبية يمكن الاستدلال بها ولكن لا يمكن القياس عليها.
  • التأثر بالأشخاص : لشخصية المتكلم أثر كبير على تقييم الناس لما يقول ، فمثلاً إذا كان المتكلم معلماً فإن الفرد يتجه إلى تصديق كل ما يقول دون طلب دليل ، ويعد هذا الأمر من معوقات التفكير الناقد.
  • الميل مع الأغلبية : والمقصود به هو ميل الفرد إلى موافقة رأي أفراد الجماعة التي ينتمي إليها ، ويجب معرفة أن رأي الأغلبية ليس دليلاً كافياً على صحة الفكرة.

صفات المفكر الناقد

يتصف المفكر الناقد بمجموعة من الخصائص والسلوكيات ، تشمل التالي :

  • يستطيع التفريق بين الرأي والحقيقة.
  • منفتح على الأفكار الجديدة.
  • يعرف متى يحتاج إلى معلومات جديدة حول شيء ما.
  • يستخدم مصادر علمية موثوقة ويشير إليها.
  • يعتمد طريقة منظمة في تعامله مع المشكلات.
  • يتعامل بأهمية مع جميع جوانب الموقف الذي يواجهه.
  • يعرف أن الناس مختلفين وأن لديهم أفكار مختلفة حول معنى المفردات.
  • يحب الاستطلاع ويتصف بالمرونة.
  • يستفهم عن أي شيء مبهم أو غير مقبول.
  • يبحث عن أسباب المشكلات والأدلة والبدائل.
  • يغير موقفه إذا توفرت لديه أدلة منطقية وصحيحة.
  • يعرف المشكلة التي تواجهه بوضوح.
  • يتأنى في إصدار الأحكام على موضوع ما حتى يتأكد من أحكامه وأدلته.
  • يتصف بالموضوعية وعدم التحيز للعوامل الذاتية.
  • يحاول قدر الإمكان الفصل بين التفكير المنطقي والتفكير العاطفي.

خطوات التفكير الناقد

هناك عدة نماذج شرحت خطوات التفكير الناقد ، وفي ما يلي سوف نتناول أهم هذه النماذج ، وقد حددها العالم هاسكينز بالتالي :

  1. أن يتحلى الفرد بخصائص المفكر الناقد : بحيث يكون لديه دافعية عالية للتفكير بحرية وذهن منفتح وأن يكون شكاكاً ومتواضعاً بنفس الوقت ، وأن يكون مستقلاً في تفكيره ، وفضولياً في السعي لفهم المزيد باستمرار.
  2. الوعي بمعوقات التفكير النقدي والعمل على تجنبها.
  3. تمييز الحجج وتوصيفها : فيجب على المفكر النقدي أن يميز الحجج بدقة ، سواء عند إعداد فكرته أو عند تقييم أفكار الآخرين.
  4. تقييم مصادر المعلومات : بحيث تكون المصادر موثوقة.
  5. تقييم الحجج : وتتضمن هذه الخطوة ثلاث خطوات فرعية هي : تقييم الافتراضات ، والتأكد من منطقية الحجة التي سوف يقدمها ، والتأكد من كفاية أدلته وتكاملها.

مهارات التفكير الناقد

هناك مجموعة من المهارات التي يتطلبها التفكير الناقد ، تتمثل بالتالي :

1. التفسير

هو التعرف على المشكلة ووصفها بدون تحيز ، والكشف عن الدلالة وتوضيح المعنى.

2. التحليل

هو تقسيم موقف أو شيء ما إلى أجزاء لكي يستطيع الفرد فهم ذلك الشيء بشكل أفضل ، وكذلك من خلال التحليل يستطيع الفرد التفكير بكل جزء من الأجزاء بشكل مستقل.

3. التقييم

هو تقدير مدى مصداقية القول أو الفكرة ، والذي يكون بمثابة تقدير أو وصف لإدراك الشخص أو خبرته أو موقفه أو حكمه أو اعتقاده أو رأيه ، وكذلك تقدير القوة المنطقية للعلاقات الاستدلالية الفعلية أو المقصودة بين العبارات والأسئلة والأوصاف.

4. الاستدلال

هو تحديد العناصر التي نحتاجها من أجل الوصول إلى نتائج معقولة ووضع الروابط والفروض حتى تتاح لنا المعلومات المناسبة لنستنبط النتائج التي تلزمنا.

5. التوضيح

يقصد به القابلية لتقديم أفكار الفرد بشكل قوي ومترابط ، وهذا يعني أن نضع ونبرر هذه الأفكار في حدود الاعتبارات البرهانية والتصورية والمنهجية والمعيارية والسياقية ، تلك التي تنبني على أساسها نتائج الفرد.

6. التنظيم الذاتي

يعني الوعي الذاتي لمراقبة وتصحيح وتفسير ما تقدمه ، واختبار استدلال ما قمت به ، كذلك يمكنك مراجعة وإعادة صياغة أحد تفسيراتك التي قدمتها ، ويمكنك حتى أن تختبر قدرتك على اختبار نفسك والتصحيح لنفسك.

ويعني أيضاً قيامك بعمل مراجعة لنفسك في أثناء استماعك لمن يحدثك ، لكي تكون على يقين من أنك قد فهمت ما قاله هذا الشخص بالفعل دون أن تتدخل بأفكارك لتنبه نفسك بضرورة أن تنفصل بآرائك وافتراضاتك عن آراء محدثك.

قواعد التفكير الناقد

هناك مجموعة من القواعد التي يستند إليها التفكير الناقد ، والتي يجب أن يلتزم بها الفرد في حال كان يود أن يتعلم أو يطبق هذا التفكير ، تشمل هذه القواعد التالي :

  • عدم قبول الأفكار الخالية من الدليل ، والتي لا تستند إلى براهين واضحة.
  • تحليل الفكرة أو الرأي الذي نود انتقاده إلى ثلاث أجزاء ( دليل – استدلال – نتيجة ) ومن ثم نوجه الأسئلة النقدية لكل جزء على حدا ، وذلك يجنبنا الالتباس أو عدم التمييز بين الأفكار الخاطئة والصحيحة.
  • توجيه الأسئلة النقدية للدليل المصاحب للفكرة ، وذلك لمعرفة ما إذا كان الدليل صحيحاً أم لا.
  • البحث عن الجوانب المفقودة التي يؤثر وجودها على تصور الدليل أو الفكرة.
  • معارضة النتائج الخاطئة بما يناقضها من النتائج الصحيحة.

طرق تعزيز التفكير النقدي

بعد التعرف على التفكير الناقد ومعرفة مدى أهميته بالنسبة للفرد ، سوف نقوم بطرح بعض الطرق التي تساعدنا في تنمية وتعزيز التفكير النقدي لدينا ، وتشمل هذه الطرق التالي :

الانفتاح على الآخرين وتقبل آراءهم وتفسيراتهم ، ومعرفة أن الخطأ يمكن أن يكون في أفكارنا أو بأفكار الآخرين.

  1. حاول وضع نفسك مكان الأخرين لكي تستطيع فهم كيف توصلوا إلى الاستنتاجات أو الأفكار التي هم عليها.
  2. المشاركة في المناقشات والمنتديات المفيدة.
  3. تحليل النصوص أو المواقف التي تقع أمامك والتدرب عليها فذلك يحسن من قدرتك على التفكير النقدي.
  4. البحث عن رأيين متعارضين والمقارنة بينهما وتحليلهما ، فهذا يزيد من قدرتك على تحليل المعلومات التي تواجهك بالمستقبل.
  5. ثقف نفسك وأقرأ أكثر وزد من معرفتك فهذا أمر ضروري يفتح أمامك آفاق جديدة ويجعلك على معرفة بما تتحدث عنه.