تعريف الأسرة ، التنشئة الأسرية وأنماطها

الأسرة

تعریف الأسرة

للأسرة تعاریف عدیدة ، وقد إختلف الباحثون في مجال العلوم الإجتماعیة والنفسیة في تعریف الأسرة لإعتبارات ثقافیة و حضاریة مختلفة ، إلا انهم یتفقون على أنها النواة الأساسیة الأولى في المجتمع و أساس البنیان الإجتماعي ، وأهم وظیفة تقوم بها هي التنشئة الإجتماعیة لأبنائها. ومن هذه التعریفات ما يلي :

الأسرة مجموعة من الأفراد تربط بینهم صلة الدم أو الزواج ، و تضم عادة الأب و الأم و الأبناء و قد تضم أفرادا آخرین من الأقارب.

وأسري هو : لفظ یطلق على الصفات التي تشیع في أفراد الأسرة سواء كانت هذه الصفات موروثة أو مكتسبة من تقالید الأسرة.{1}

ویعرف بوجاردس Borgardus الأسرة بأنها جماعة إجتماعیة صغیرة تتكون عادة من الأب و الأم و واحد أو أكثر من الأطفال ، یتبادلون الحب و یتقاسمون المسؤولیة ، وتقوم بتربیة الأطفال حتى تمكنهم من القیام بتوجیههم و ضبطهم ، لیصبحوا أشخاصا یتصرفون بطریقة إجتماعیة.

كذلك یعرف ستیفنز Stephens الأسرة بأنها تقوم على ترتیبات إجتماعیة قائمة على الزواج و عقد الزواج ، متضمنة حقوق و واجبات الأبوة مع إقامة مشتركة للزوجین و أولادهما وإلتزامات إقتصادیة متبادلة بین الزوجین.{2}

وعرف فهم وقطان الأسرة : بأنها في وضعها الأساسي هي عبارة عن وحدة إنتاجیة بیولوجیة تقوم على زواج شخصین ویترتب على ذلك الزواج عادة نتاج من الأطفال وهنا تتحول الأسرة إلى وحدة اجتماعیة تحدث فیها استجابات الطفل الأولى نتیجة التفاعلات التي تنشأ بینه وبین والدیه واخوته.{3}

الأسرة في الإسلام

يؤمن المسلم أن الأسرة هي الوحدة الأولى في المجتمع. وأول مجتمع يتصل به الطفل بعد ولادته ويتفاعل معه ويكتسب عن طريقه أساسيات لغته وقيمه ومعايير سلوكه وعاداته واتجاهاته وكثيرا من مقومات شخصيته.

ومن هذا المنطلق ، تحرص تعاليم الإسلام على إقامة الأسرة على أساس من الحق والعدل والمودة والرحمة والتعاون والاحترام المتبادل ، والعمل المستمر على تقويتها وتحقيق تماسكها وتوثيق الروابط السائدة فيها وإحاطتها بكل عناية وحماية وتقدير ، وبكل ما يضمن لها الأمن والاستقرار والصلاح.

والنظام الأسري الذي أقره الإسلام هو نظام “الأسرة الزوجية” أي الأسرة التي تقوم على عقد زواج صحيح يحول العلاقة بين الرجل والمرأة من علاقة محرمة وممنوعة تستوجب الذم والعقاب ، إلى علاقة مشروعة تسودها المودة والرحمة وحسن المعاشرة والمعاملة.

الأسرة وعلم النفس والاجتماع والتربية

يتفق علماء التربية وعلم الاجتماع وعلم النفس على الأهمية الكبرى للأسرة في إكساب الأطفال الخصائص النفسية والصفات الاجتماعية الأساسية والدعائم الأولى للشخصية.

وبالرغم من ظهور مؤسسات وأطراف ووسائط عديدة تشارك الأسرة في تربية الطفل وتنشئته ، إلا أن الأسرة تبقى أول وأهم مؤسسة في حياة الطفل الاجتماعية ، وتأثيرها في السنوات الأولى له آثاره الباقية مدى الحياة.

ذلك لأن الخبرات بأنواعها في السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل هي التي تشكل الشخصية وتضع الأساس لما يأتي بعدها من خبرات ، تنميها وتعمقها ولكن من الصعب تغييرها بشكل جذري.{4}

خصائص الأسرة

  • الأسرة جماعة إجتماعیة دائمة تتكون من أشخاص لهم رابطة تاریخیة و تربطهم ببعضهم البعض صلة الزواج ، و الدم و التبني .أفراد الأسرة عادة یقیمون في مسكن واحد یجمعهم.
  • الأسرة هي المؤسسة الأولى التي تقوم بوظیفة التنشئة الإجتماعیة للطفل الذي یتعلم من الأسرة كثیرا من العملیات الخاصة بحیاته ، مثل المهارات الخاصة بالأكل و اللبس و النوم.
  • للأسرة نظام إقتصادي خاص من حیث الإستهلاك و إنتاج الأفراد ، لتامین وسائل المعیشة لمستقبل أفراد الأسرة.
  • الأسرة هي المؤسسة و الخلیة الإجتماعیة الأولى في بناء المجتمع و هي الحجر الأساسي لإستقرار الحیاة الإجتماعیة الذي یستند علیه الكیان الإجتماعي.
  • الأسرة هي وحدة التفاعل الإجتماعي المتبادل ، حیث یقوم كل فرد من أفراد الأسرة بتأدیة الأدوار و الواجبات الخاصة به ، بهدف إشباع الحاجات الإجتماعیة و النفسیة و الإقتصادیة لجمیع أفراد الأسرة.
  • الأسرة بوصفها نظاما للتفاعل الإجتماعي ، تؤثر و تتأثر بالمعاییر و القیم و العادات الإجتماعیة و الثقافیة داخل المجتمع ، و بالتالي یشترك أعضاء العائلة في ثقافة واحدة.{5}
  • الأسرة ظاهرة ذات وجود عالمي ، فقد وجدت في جمیع المجتمعات و في كل مراحل النمو الإجتماعي لهذا هي أكثر الظواهر الإجتماعیة عموما و انتشارا ، وهي أساس الإستقرار في الحیاة الإجتماعیة.
  • تتصف العلاقات داخل الأسرة بالتماسك و التواكل والعصبیة القائمة على أواصر الدم ، أو اللحمة النسبیة ، والتوحد في مصیر مشترك حیث یصبح الفرد عضوا یقاسم الأعضاء الآخرین فرحهم ، وحزنهم و مكاسبهم وخسائرهم.{6}

أنواع الأسرة

1. الأسرة النواة

الأسرة النوویة أو النواة و یطلق علیها أیضا الأسرة الزوجیة أو الزواجیة ، و إسم الأسرة البسیطة و هي أصغر وحدة قرابیة في المجتمع ، و تتألف من الزوج و الزوجة و أولادهما غیر المتزوجین یسكنون معا في مسكن واحد و تقوم بین أفرادها إلتزامات متبادلة إقتصادیة و قانونیة و إجتماعیة. و هي بحق ظاهرة إنسانیة عالمیة إذ ثبت وجودها في كل مراحل التطور البشریة ، و تعتبر النمط الممیز للأسرة في المجتمع المعاصر.{6}

2. الأسرة الممتدة

إن هذا النوع من الأسر یشمل أفراد بشكل أكبر و أوسع و تضم عدة أجیال. الأسرة الممتدة تكون أكبر من الأسرة النواة و هي عبارة عن عدة أسر في محیط واحد حیث تضم الأب و الأم و الأبناء المتزوجين و غیر المتزوجین و الجد و الجدة و الأحفاد ، یعیشون في بیت واحد أو في بیوت متجاورة ، و یتعاون الجمیع لتوفیر حاجات الأسرة ، و غالب ما یجمع بینهم عمل معین كالإنتاج الزراعي في المجتمعات الزراعیة. و هي منتشرة في المجتمعات العربیة و البلدان الأفریقیة و الآسیویة و أمریكا اللاتینیة.

أهمیة الأسرة

ترجع أهمیة الأسرة في تنشئة الأبناء إلى ما یلي :

  • أن الأسرة و أفرادها هي المكان الأول الذي یتم فیه باكورة الإتصال الإجتماعي الذي یمارسه الطفل مع بدایة سنوات حیاته الذي ینعكس على نموه الإجتماعي فیما بعد.
  • یقوم الآباء و الأمهات بعملیة تنقیة للقیم و التقالید و الإتجاهات و العادات لتأخذ طریقها إلى الأبناء فالقیم و المعاییر المرغوب تشكیلها ینقلها الآباء و الأمهات إلى أبنائهم دون سواهم.
  • تعد الأسرة المكان الوحید المسؤول عن إكساب الطفل للغة في مرحلة المهد ، وما بعدها بقلیل تشاركها مؤسسات التربیة المقصودة في لعب هذا الدور ، و لا تستطیع أي وكالة أخرى تقریبا أن تقوم بهذا الدور فهي تعلم الطفل اللغة و تكسبه بدایات و مهارات التعبیر .
  • الأسرة هي المكان الذي یزود الأطفال ببذور العواطف و الإتجاهات اللازمة للحیاة في المجتمع .
  • الأسرة أول موصل لثقافة المجتمع إلى الطفل .
  • الأسرة أكثر دواما و أثقل وزنا من باقي الوكالات المؤثرة على الطفل و بخاصة في مرحلة الطفولة ، و أكثر أهمیة في تأثیرها من تأثیر الجیران و الأقارب و الأقران وحتى المعلمین .
  • التفاعل بین الأسرة و الطفل یكون مكثفا أطول زمنیا من الجهات الأخرى المتفاعلة مع الطفل.
  • الأسرة هي الجماعة المرجعیة التي یعتمد علیها الطفل عند تقییمه لسلوكه .
  • وكما أن على الأسرة أن تربي طفلا یلتزم بقیم ومعاییر إجتماعیة علیها ألا تنسى أن لكل طفل فردیته. أن الأطفال الذین یأتون من أسر تتصف بالأمانة و الجد و العمل غالبا ما یتصفون بالخلق و الإحساس بالغیر و دافع الإنجاز.
  • تحدید الدور لكل من الذكور و الإناث بحیث تمیل الفتیات إلى تقلید نموذج یتصف بالحنان و العطف و یمیل الذكور لتقلید نموذج یتسم بالقوة و التسلط .
  • یوفر الجو الأسري السلیم و المتوافق تنشئة أسریة مناسبة للأطفال .

دور الأسرة و وظائفها

المقصود بوظائف الأسرة هي تلك الأعمال و الواجبات التي تمارسها لصالح أفرادها ، والمجتمع بشكل عام. ومن هذه الوظائف :

1. الوظیفة البیولوجیة

أول وظیفة من وظائف الأسرة هي حفظ النوع البشري و التناسل المستمر ، و إنجاب الأطفال وفق قواعد إجتماعیة بقصد التعمیر و الإستمرار. كما تلبي الأسرة الحاجات الفطریة ( إشباع الحاجة الجنسیة للزوجین في إطار مقبول ، و الحاجات الحیویة لكل فرد).

2. الوظیفة النفسیة

من أهم ما تقدمه الأسرة لأبنائها الإشباع النفسي و الإرتباط الإنفعالي و والأمن النفسي ، وتوفیر علاقات الاهتمام والتكافل لأفرادها ، لخلق إنسان متزن ومستقر ، یشعر بالانتماء الأسري والتفاعل المتعمق من أجل مصلحة الأسرة والمحافظة على كیانها ووحدتها. فالأسرة لها آثارها المباشرة على النمو السوي للطفل .

3. الوظیفة التربویة

الأسرة لها وظیفة هامة في النمو العقلي و التعلیمي فهي تساهم بقدر كبیر في تنمیة القدرة على التفكیر و تقوم بالمتابعة المستمرة لأبنائها في التعلیم ، و الإشراف الدائم علیهم ، واكسابهم العادات والمعتقدات والخبرات اللازمة لهم ، وتنمیة الشعور بالانتماء الأسري والاجتماعي وتكوین شخصیتهم.

4. الوظیفة التوجیهیة

تقوم الأسرة بعملیة التوجیه و الإرشاد لأبنائها ، و توضح لهم ما یمكن و ما لا یمكن عمله ، فالطفل یتعلم من الأسرة ما علیه من واجبات و ماله من حقوق ، و كیف یستجیب لمعاملة الآخرین ، كما یتعلم معاییر الثواب و العقاب.

5.الوظیفة الدینیة

یتعلم الطفل شیئا فشیئا الأفكار و التعالیم الدینیة كالصلاة و قراءة الكتب الدینیة و ممارسة الطقوس الدینیة ، كما تزوده الأسرة بالقیم و المعاییر الأخلاقیة كالصدق و الأمانة.

6. الوظیفة الإجتماعیة

إن بدایة عملیة التنشئة الإجتماعیة تتم عن طریق الأسرة التي تلعب دورا فاعلا في بناء شخصیة الفرد ، وذلك من خلال إشباعها لحاجاته الأولیة و الثانویة ، كما یتعلم منها إحتیاجاته و الطرق المشروعة لإشباعها فینشأ الطفل في جو ملیئ بهذه الأفكار ویكتسب المعتقدات و القیم و المعاییر و أسالیب التفاعل مع الآخرین ، لیستطیع أن یعیش في المجتمع فیقوم بإتخاذ القرارات المناسبة له و لمجتمعه.{7}

7. الوظیفة العاطفیة

بحیث تكون الأسرة المصدر الرئیسي للإشباع العاطفي و القبول الإجتماعي للطفل ویرى سمارت Smart أن الأسرة تمنح أطفالها الاستعدادات والسمات ، والحب والأمن ، والفرص العدیدة لنمو شخصیاتهم ، وتقوم بإشباع حاجاتهم الفسیولوجیة والعقلیة والعاطفیة وتعلیمهم كیف یسلكون ویتعاملون ویعملون ، ویتم تأثیرها علیهم من خلال عاملي الوراثة والبیئة.

8. الوظيفة الاقتصادیة

من خلال توفیر الاحتیاجات والمتطلبات اللازمة للحیاة وتحقیق أمن الأسرة المادي.{8}

مفهوم التنشئة الأسریة

یمكن وصفها بأنها العملیة التي من خلالها یتعلم الطفل عادات مجتمعه ، وبأنها العملية التي تتشكل من خلالها معاییر الفرد و مهاراته و دوافعه و إتجاهاته ، و سلوكه لكي یتوافق مع تلك التي یعتبرها المجتمع مرغوبة و مستحسنة لدوره الراهن أو المستقبلي في المجتمع ، و تبدأ هذه العملیة الحیویة منذ اللحظة التي یرى فیها الطفل الحیاة على هذه الأرض.{9}

التنشئة الأسریة هي إحدى أساسیات التنشئة الإجتماعیة و نقصد بها كل سلوك یصدر عن الوالدین أو أحدهما و یؤثر في الطفل و نمو شخصیته سواء قصد بهذا السلوك التوجیه و التربیة أم لا.

كما أجمع علماء النفس بإتجاهاتهم المختلفة على أن أسالیب التربیة التي یتبعها الوالدان في تنشئة أبنائهم لها بالغ الأثر في تشكیل شخصیاتهم في المستقبل و في نوعیة الاضطرابات النفسیة التي یتعرضون لها.

لذا ترى نظریة التحلیل النفسي أن السنوات الست الأولى من حیاة الطفل أهم فترة في حیاته على الإطلاق و التي تترك آثارا عمیقة في نفسیته في المستقبل.وقد أكد فروید أن أسباب المرض النفسي تعود في مجملها إلى خبرات الطفل الأولیة.

إن شخصیة الطفل تشكلها إتصالاته بالأسرة ، وإن توافق الطفل أو عدم توافقه یتوقف بدرجة كبیرة على التنشئة التي یتلقاها من أسرته بهدف نمو شخصیته نموا متناسقا و سلیما .

العوامل المؤثرة في التنشئة الأسریة

تتأثر التنشئة الأسرية بعدد من العوامل هي ما يلي :

1. حجم الأسرة

یعد حجم الأسرة من العوامل التي تأثر تأثیرا كبیرا في عملیة التنشئة الإجتماعیة و خاصة في أسالیب ممارستها ، و شبكة العلاقات و التفاعلات داخل الأسرة من ناحیتي إتساعها و تعقدها فالرعایة المبذولة للطفل داخل أسرة صغیرة الحجم تكون أكثر فاعلیة من الأسرة ذات العدد الكبیر من الأفراد.

كلما زاد عدد الأبناء في الأسرة حددت الأدوار في العائلة و طبقت الأنظمة بشكل صارم و لا یستطیع الآباء تدلیل هذه العدد الكبیر و إلا إنقلب الأمر إلى شبه فوضى.

و إذا زاد العدد یكون دور الفتیات واضحا في المساعدة على تربیة الأطفال الصغر و یكون مستوى التحصیل الدراسي منخفضا للأبناء .

وعیوب صغر حجم الأسر على التنشئة الإجتماعیة للأبناء هو التمركز و العمق في العلاقات العاطفیة بین أفراد الأسرة الواحدة الذي یترتب علیه الحمایة الزائدة للأطفال بالإضافة إلى ضیق مجال تحركه و تعامله و خبرته مما یظهر الغیرة بین الأطفال.{10}

2. نوع العلاقات الأسریة

ینعكس الجو الأسري و العلاقة بین الزوجین بشكل مباشر على سلوك الأطفال و النمو السوي لشخصیتهم ، فالعلاقات السویة بین الوالدین و تحقیق الوفاق بینهما یؤدي إلى تماسك الأسرة و یساعد على إشباع حاجات الطفل النفسیة و إحساسه بالأمان و الطمأنینة.

في حین أن الجو المشحون و الشجار الدائم و الخلافات المستمرة تخلق جو أسري متوتر مما یؤدي إلى أنماط السلوك المضطرب لدى الطفل أو الإنحراف متأثرا بما یسود جو أسرته من مشكلات و تصدعات فالسعادة الزوجیة هي التي تعزز تماسك الأسرة ، مما یخلق جوا یساعد على نمو شخصیة الطفل بصورة صحیحة و متكاملة و كثیرا ما یؤدي سوء التوافق بین الوالدین إلى حدوث الطلاق الذي یكون له تأثیرا سیئا على شخصیة الطفل و على نموه فیما بعد.

3. ثقافة المجتمع

یتعلم الفرد عناصر الثقافة الإجتماعیة أثناء نموه الإجتماعي من خلال تفاعله في المواقف الإجتماعیة مع الأفراد و الكبار الذین تنشأوا و هم أطفال و تطبعوا و هم مراهقون وإندمجوا إجتماعیا و هم راشدون.

وتؤثر الثقافة في تشكیل شخصیة الفرد و الجماعة عن طریق  المواقف الثقافیة العدیدة و من خلال التفاعل الإجتماعي المستمر.

والثقافة لا تؤثر في سلوك الفرد تأثیرا مباشرا دائما . بل توكل في ذلك عددا من الوكالات أو المؤسسات الإجتماعیة و الجماعات التي ینتمي إلیها الفرد ، و یرتبط بها في الأسرة و دور الحضانة و ریاض الأطفال و المدرسة و دار العبادة و جماعات الرفاق و المجتمع بصفة عامة.{11}

4. نوع الطفل ذكر أو أنثى

اختلاف الجنس یكون له أثره في المعاملة الوالدیة الاجتماعیة حيث یختلف تعامل الوالدین مع أبنائهم تبعا التي تحدد مسار النمو الاجتماعي للابن. ویتعامل الآباء بطرق مختلفة حسب جنس الابن مدعمین بذلك أنماط السلوك المقبولة فیما یتعلق بكل من الجنسین.

إذ یعلق الآباء أهمیة كبرى على الانجاز والاعتماد على النفس و الضبط الانفعالي والاضطلاع بالمسؤولیة بالنسبة للبنین ، كما تقل الضغوط الوالدیة بالنسبة للبنات فیما یتعلق بالانجاز والاعتماد على النفس.{12}

5. ترتیب الطفل في الأسرة

كذلك فإن الترتیب المیلادي للطفل من شأنه أن یؤثر في تطور و نمو شخصیته فیما بعد ، فالطفل الأول یلقى أكبر قدر من الإهتمام و الرعایة و المحبة بین الوالدین ، و تكشف البحوث على أنه في أسر الطبقات المتوسطة نجد أن الطفل الأول یكون أكثر میلا للتوحد مع الوالدین من إخوته التالیین له في المیلاد ، كما یمیل الطفل الأول إلى إكتساب قیم الوالدین بدلا من قیم الأقران ، كذلك یكون أكثر إنجازا ، أما الأطفال من أصحاب المراكز المتأخرة فإنهم یواجهون موقفا أسریا مختلفا حیث یتفاعلون منذ البدایة مع الإخوة و لیس مع الوالدین ، ولذلك یقوم هؤلاء الإخوة بدور المرشد أو النموذج الذي یمكن التوحد معه.

وغالبا ما یشعر الطفل الأخير بشیئ من القصور بالمقارنة بإخوته الأكبر سنا ، حیث یرى نفسه أقل كفاءة و ینخفض لدیه الدافع للإنجاز.{13}

وهناك عوامل أخرى ذات صلة بالأسرة و تلعب هي الأخرى دورا هاما في عملیة التنشئة الإجتماعیة منها ما یلي :

  • سن الوالدین.
  • ذكاء الوالدین.
  • التكوین الجسمي للطفل.
  • نمط معاملة الطفل (أسلوب التنشئة).
  • البیئة المادیة و الإجتماعیة المحیطة بالطفل.

أنماط التنشئة الأسرية

وهي مجموعة العملیات التي یقوم بها الوالدان سواء عن قصد أم غیر قصد في تربیة أبنائهم ، ویشمل ذلك توجیهاتهم لهم ، وأوامرهم ، ونواهیهم ، بقصد تدریبهم على التقالید والعادات الاجتماعیة ، أو توجیههم للاستجابات المقبولة من قبل المجتمع وذلك وفق ما یراه الأبناء ، وكما یظهر من خلال وصفهم لخبرات المعاملة التي عایشوها.

تختلف وتتباین أنماط التنشئة و كذلك أهدافها و معاییرها بین المجتمعات ، و داخل المجتمع الواحد من وقت لآخر و من أسرة لأخرى و من الأب إلى الأم ومن أنماط التنشئة الأسریة المتبعة مع الأبناء ما یلي :

1. نمط التسلط

یتمثل هذا الأسلوب في فرض رأي الوالدین على الطفل و الوقوف أمام رغباته التلقائیة و الحیویة دون تحقیقها حتى و لو كانت مشروعة ، و كذلك إستخدام أسلوب العقاب البدني أو التهدید به مما یضر بالصحة النفسیة للطفل و یدفعه لإتخاذ أسالیب سلوكیة غیر سویة كالإستسلام و الهروب و التمرد و الجنوح و الإنحراف.{14}

الأسلوب المتسلط یتمیز بإهتمام ضعیف لحاجات الطفل ، و بدرجة كبیرة التحكم المستمر في تصرفات الطفل فهي طریقة تربویة تتمركز حول الوالدین الذین یطالبون أطفالهم بالطاعة و إحترام السلطة.ومن أسباب لجوء الآباء إلى التسلط إمتصاصهم لمجموعة من القیم و المعاییر الصارمة في طفولتهم ، و تطبیقها على أطفالهم ، ومحاولة التعویض عن الفشل في تحقیق أهداف أحد الوالدین ما یجعل من أبنائه مجالا لطموحه الذي عجز هو عن تحقیقه.

یخضع الطفل في هذا النمط إلى قواعد و معاییر سلوكیة صارمة حیث یفرض الوالدین آرائهم على الابن ، ویبالغون في الشدة دون الاهتمام بحاجاته ورغباته ، وفرض الطاعة و الوقوف أمام رغباته التلقائیة و استخدام ألوان التهدید أو الضرب أو الحرمان أو غیر ذلك سواء تم ذلك باستخدام العنف أو اللین.

2. نمط الإهمال

نمط الإهمال یتمثل في عدم تفاعل الآباء مع الطفل و تركه دون رعایة و عدم تشجیعه و إثابته على السلوك المرغوب فیه أو محاسبته على السلوك غیر المرغوب فیه ، و تركه دون توجیه و نصح إلى ما یجب أن یقوم به أو إلى ما ینبغي علیه أن یتجنبه.

والقصور في توفیر الرعایة اللازمة له ، وفي هذه الحالة الوالدان لا يؤذون الطفل جسمياً أو لفظياً ولكن لا یلبون له احتیاجاته ویهملون مشاعره وأهدافه ، ويعد وعدم إنصات والدیه إلى حدیثه أو إهمال حاجاته الشخصیة أو عدم مكافأته أو مدحه في حالة نجاحه.

ومن أشكاله الهجر والتخلي عن الطفل ، واهمال طعامه ونقص الدفء ونقص الملابس المناسبة والظروف المنزلیة غیر الصحیة وعدم حمایته من الأخطار ، ونقص الإشراف المناسب لعمره والإخفاق في رعایته مدرسیا و نجد أن إهمال الأم للطفل في مرحلة الرضاعة یؤثر على نموه السوي و قد یصل في حالة الإهمال الشدید إلى الاضطراب العقلي والاجتماعي والانفعالي ، كما أن إهمال الطفل من قبل والدیه یفقده الإحساس بالأمن سواء المادي أم النفسي.

وقد یؤدي إلى سعیه الدائم لإرضاء الآخرین في محاولة لجذب إنتباههم ، أو یسترسل في أحلام الیقظة ، وینظم إلى الجماعات غیر المرغوبة ، أو یلجأ إلي الانحراف وتحدي السلطة وعدم قبول اللوم على سلوكه. والسرقة أو الإعتداء على إخوته أو زملائه في المدرسة ، و قد یعرض نفسه للجروح و الصدمات بهدف لفت الأنظار إلیه.{15}

3. نمط التدليل

التدلیل هو نوع المبالغة في التساهل مع الطفل بحیث یستجیب الوالدان أو أحدهما لمطالبه مهما كانت هذه المطالب وتلبیتها أینما وكیفما ومتى شاء ، ومساعدتهم في كل عمل یودون القیام به والتجاوز عن أخطائهم ویغضون الطرف عن كل ما یرتكب من أفعال تقتضي التأدیب والعقاب ومن شأن ذلك أن یجعل الفرد لا یتحمل المسؤولیة والاعتماد على الغیر وعدم تحمل مواقف الإحباط والفشل في الحیاة ، ونمو نزعات الأنانیة وحب التملك.

وقد یسلك الآباء مثل هذه الطریقة في معاملة الأبناء نتیجة ظروف معینة كأن یكون الطفل وحیدا أو جاء بعد فترة طویلة من الزواج. أو أن الآباء مروا بطفولة غير سعيدة فیحاولون تجنب الأبناء الخيبة والإحباط الذين مروا به ، وتكمن الخطورة في أن المدلل يظل طفلا حتى في مراهقته ويكون غير قادر على الاعتماد على نفسه ، وينهار أمام كل أزمة تواجهه وقد يصاب بأعراض القلق والكآبة.يتمثل التدليل في تشجيع الطفل على تحقيق معظم رغباته بالشكل الذي يحلو له وعدم توجيهه. وتشجيع الطفل على القيام بألوان من السلوك الذي يعبر عن عادة غير مرغوب فيها اجتماعيا وكذلك قد يتضمن دفاع الوالدين لتحمل أية مسؤولية مع مرحلة النمو التي يمر بها.

4. التفرقة في المعاملة

یتمثل هذا الأسلوب في التفضیل و التمییز بین الأبناء في المعاملة لأسباب غیر منطقیة كالجنس ( الذكورة و الأنوثة ) أو الترتیب المیلادي أو أبناء الزوج أو الزوجة المحبوبة أو المنبوذة بشكل یولد الحقد و الكراهیة و یخلق الصراع بین الأبناء.

وما یعزز ممارسة هذا الأسلوب وجود بعض الأنماط الثقافیة الشائعة التي تؤدي إلى وجود فروق في التنشئة مثل إفتراض أن الطفل الذكر أكثر مقاومة و تحمل من الأنثى ، وهذا یجعل الوالدین أكثر قلقا على البنت من الولد و هذا ما یؤدي بدوره إلى فروق جوهریة في أسالیب التنشئة.{14}

كما یفرق بعض الآباء بین الأبناء بقصد ومن غیر قصد بناء على المركز أو الجنس أو السن أو لأي سبب آخر كأن یصب أحدهم جام غضبه على أحد أبنائه لأنه یعتبره نذیر شؤم لمصاحبة مولده بحادث سیئ للأسرة ، وقد یؤول الأبناء انشغال الأم بطفل جدید على أنه تخلي عن حبها وتدلیلها لهم.

والابن الذي یعرف أنه أثیر عند والدیه یمكنه أن یقول ویفعل أشیاء یعاقب علیها إخوته ولا یعاقب هو علیها.

4. نمط التقبل

یعد أسلوب التقبل أحد الأسالیب السویة في التنشئة الاجتماعیة للأبناء ، ویعبر عنه “بمدى الحب الذي یبدیه الوالد أو الوالدة للطفل من خلال تصرفاته نحو مختلف المواقف الیومیة ویتضمن قدرا لا بأس به من الاستجابة لمطالب الأبناء وحاجاتهم والقبول لسلوكهم وتصرفاتهم ، كما یتضمن مكافأتهم على إنجازاتهم وتبریر أخطائهم وامتداح تصرفاتهم ، ومشاركتهم أفراحهم ومناسباتهم الخاصة ، بالإضافة إلى تبادل الحدیث معهم والإجابة عن تساؤلاتهم.{16}

المراجع

  • [صباح جعفر/ 2016/ أنماط التنشئة الأسرية وعلاقتها بدافعية الإنجاز لدى طلبة جامعة محمد خيضرة بسكرة/ رسالة ماجستير منشورة/ كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية/ جامعة خيضرة بسكرة] 
  1. [شحاته]
  2. [السكندري]
  3. [عمار زغينة/ 2005/ التوجیه المدرسي و الجامعي و التحصیل و علاقته بأسالیب المعاملة الوالدیة/ رسالة دكتوراه غیر منشورة/ جامعة قسنطینة]
  4. [ هدى محمود الناشف / الأسرة وتربية الطفل /2011/ الطبعة الثانية / دار المسيرة للنشر والتوزيع / عمان / الأردن]
  5. [أمل بنت عیاد بن سلیم الجهني/ 2009/ أسالیب التنشئة كما یدركها طلاب و طالبات كلیات التربیة و علاقتها ببعض الإضطرابات النفسجسمیة بمنطقة المدینة المنورة/ رسالة ماجستیر غیر منشورة/ جامعة طیبة المملكة العربیة السعودیة]
  6. [عبد القادر قصير/ 1999/ الأسرة المتغیرة في مجتمع المدنیة العربیة/ ط1/ دار النهضة العربیة/ بیروت]
  7. [عامر]
  8. [مراد زعيمي/ 2002/ مؤسسات التنشئة الإجتماعیة/ ط1/ دار قرطبة للنشر و التوزیع/ الجزائر]
  9. [عران مطلق العتيبي/ 1999/ التنشئة الأسریة و ظاهرة العود عند الأحداث المنحرفین في المنطقة الشرقیة بالمملكة العربیة السعودیة/ المركز العربي للدراسات الأمنیة]
  10. [جاد]
  11. [محمد فتحي فرج الزلیتني/ 2008/ أسالیب التنشئة الاجتماعیة و دوافع الإنجاز الدراسیة/ ط1/ إصدارات مجلس الثقافة العام/ لیبیا]
  12. [عبده سعید محمد أحمد الصنعاني/ 2009/ العلاقة بین الإغتراب النفسي و أسالیب المعاملة الوالدیة لدى الطلبة المعاقین سمعیا في المرحلة الثانویة/ رسالة ماجستیر/ جامعة تعز/ الیمن]
  13. [فادیة عدوان/ 2003/ التنشئة الاجتماعیة للطفل في الوسط التربوي/ مطبعة الأقصى]
  14. [موسى]
  15. [صالح رشاد دمنهوري/ 2006/ التنشئة الإجتماعیة و التأخر الدراسي/ دراسة في علم النفس الإجتماعي التربوي]
  16. [نزیه أحمد الجندي/ 2010/ التنشئة السویة للأبناء كما یدركها الوالدان في الأسرة العمانیة دراسة میدانیة/ مجلة جامعة دمشق/ المجلد 26/ العدد الثالث]